السيد الطباطبائي

338

تفسير الميزان

التعظيم ، والطواف يراد به تفدية النفس ، والقيام يراد به التكبير ، والوضوء والغسل يراد بهما الطهارة للحضور ونحو ذلك . ولا شك أن التوجه إلى المعبود ، واستقباله من العبد في عبوديته روح عبادته ، التي لولاها لم يكن لها حياة ولا كينونة ، وإلى تمثيله تحتاج العبادة في كمالها وثباتها واستقرار تحققها . وقد كان الوثنيون ، وعبدة الكواكب وسائر الأجسام من الانسان وغيره ستقبلون معبوداتهم وآلهتهم ، ويتوجهون إليهم بالأبدان في أمكنة متقاربة . لكن دين الأنبياء ونخص بالذكر من بينها دين الاسلام الذي يصدقها جميعا وضع الكعبة قبلة ، وأمر باستقبالها في الصلاة ، التي لا يعذر فيها مسلم ، أينما كان من أقطار الأرض وآفاقها ، ونهي عن استقبالها واستدبارها في حالات وندب إلى ذلك في أخرى فاحتفظ على قلب الانسان بالتوجه إلى بيت الله ، وأن لا ينسى ربه في خلوته وجلوته ، وقيامه وقعوده ، ومنامه ويقظته ، ونسكه وعبادته حتى في أخس حالاته وأرداها فهذا بالنظر إلى الفرد . وأما بالنظر إلى الاجتماع ، فالامر أعجب والأثر أجلى وأوقع فقد جمع الناس على اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم على التوجه إلى نقطة واحدة ، يمثل بذلك وحدتهم الفكرية وارتباط جامعتهم ، والتيام قلوبهم ، وهذا ألطف روح يمكن أن تنفذ في جميع شؤون الافراد في حيويتها المادية والمعنوية تعطي من الاجتماع أرقاه ، ومن الوحدة أوفاها وأقواها ، خص الله تعالى بها عباده المسلمين ، وحفظ به وحدة دينهم ، وشوكة جمعهم ، حتى بعد أن تحزبوا أحزابا ، وافترقوا مذاهب وطرائق قددا ، لا يجتمع منهم اثنان على رأي ، نشكر الله تعالى على آلائه .